سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

303

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

يفتخر بها الكون الإنساني وليس يوجد عند العقل أدنى فرق بين مدافعة القريب عن قريبه ومعاونته على حاجات معيشته وبين ما يصدر من ذلك عن المتلاحمين المتصلين بصلة المعتقد ورابطة المشرب . فتعصب المشتركين في الدين المتوافقين في أصول العقائد بعضهم لبعضهم إذا وقف عند الاعتدال ولم يدفع إلى جور في المعاملة ولا انتهاك لحرمة المخالف لهم أو نقض لذمته فهو فضيلة من أجل الفضائل الإنسانية وأوفرها نفعا وأجز لها فائدة ، بل هو أقدس رابطة وأعلاهها ، إذا استحكمت صعدت بذوي المكانة فيها أوج السيادة وذروة المجد خصوصا إن كانوا من قوم قوي فيهم سلطان الدين واشتدت سطوته على الأهواء الجنسية حتى أشرف بها على الزوال كما في أهل الديانة الإسلامية كما أشرنا إليه في غير مقال سبق . ولا يؤخذ علينا في القول بأنه من أقدس الروابط فإنه كما يطمس رسوم الاختلاف بين أشخاص وآحاد متعددة ويصل ما بينهم في المقاصد والعزائم والأعمال كذلك يمحو أثر المنابذة والمنافرة بين القبائل والعشائر ، بل الأجناس المتخالفة في المنابت واللغات والعادات بل المتباعدة في الصور والأشكال ويحول أهواءها المتضاربة إلى قصد واحد وهو تأصيل المجد وتأييد الشرف وتخليد الذكر تحت الاسم الجامع لهم . هذا الأثر الجليل أبرزه قوة التعصب الديني وشهد عليه التاريخ بعد ما أرشد إليه العقل الصحيح وما كانت رابطة الجنس لتقوى على شئ منه . تشدق جماعة من متزندقة هذه الأوقات في بيان مفاسد التعصب الديني وزعموا أن حمية أهل الدين لكشف ما يغشى إخوانهم من ضيم وتضافرهم لدفع ما يلم يدينهم من عوامل الوهن والضعف هو الذي يصدهم عن السير إلى كمال المدنية ويحجبهم عن نور العلم والمعرفة ويرمي بهم في ظلمات الجهل ويحملهم على الجور والظلم والعدوان على من يخالفهم في دينهم ومن رأى أولئك التفتقين أن لا سبيل لدرء المفاسد واستكمال المصالح إلا بانحلال العصبية الدينية ومحو أثرها وتخليص العقول من سلطة العقائد وكثيرا ما يرجعون بأهل الدين الإسلامي ويخوضون في نسبة مذام التعصب إليهم .